الحـراقــة مجرميـن أم لاجـئـيــن

                                                      بقلم الأستاذ دغبوش نعمان  (محام ومؤلف) 

   ظاهرة الحرقة ، بقدر ما أسالت دماء ودموع  ، أسالت حبر الصحافيين ، والحقوقيون ، وأزعجت السياسيين وأحرجتهم ، وجعلت من فاعليها تارة أبطال مغامرين ، وتارة أخرى جثث هامدة تتقاذفها أمواج المتوسط ، وقد يكونون محل متابعات قضائية ، وقد يزج بهم في غياهب السجن ، رجال الضبطية القضائية يترصدونهم في كل مكان ، يحاولون بقدر الإمكان إحباط محاولاتهم ، أو القبض عليهم متلبسين ….. 

     مجموعة شباب أطلقوا على أنفسهم لقب حراقة ، تعبير بسيط شعبي يدل على مستوى ثقافي وقانوني محدود ، أو أنهم تسميتهم أخذت  حسب ما أطلق عليهم من طرف الجهات الأمنية سواءا داخل الوطن الأم أو الدولة المستضيفة رغما عنها ، والتي تعتبرهم ذلك الضيف الثقيل الغير مرغوب فيه . 

    معظم الصحف سايرت هذا التعبير، وقد لا تخلوا الصحف اليومية ناقلة أخبارهم، خاصة عندما يجدون جثثهم أو  يتم القبض عليهم ،  مما يدغدغ مشاعر العامة ورجال القانون خاصة ، حول مشروعية هذا الإجراء المتخذ ضدهم . 

حتى أن حيازة مجموعة أجهزة إبحار ومؤن يجعلهم محل قبض من طرف رجال الضبطية ، ومما شد إنتباهي 

مقال صحفي صدر بجريدة الخبر اليومي بتاريخ: 26أفريل 08 الصفحة 07 ، وموضوعه ، القبض على مجموعة شباب ليلة 23/ 04/08 على الساعة 10 ليلا  ببلدية حجاج ولاية مستغانم ، وهم بصدد التحضير لمغادرة الوطن . 

 فهل يمكن اعتبارهم مجرمين بمحاولة سفرهم خارج الجزائر ، مما يستدعي القبض عليهم ؟ 

المادة 44 فقرة 02 من التعديل الدستوري 1996 تنص على أن:{ حق الدخول إلى التراب الوطني والخروج منه مضمون}، جاء هذا بالفصل الرابع تحت عنوان الحقوق والحريات ، مما يعني أنه يحق لكل مواطن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية ، أن يغادر التراب الوطني وقتما شاء ، وكما شاء ، وبذلك فإن عرقلة أي تنقل عبر التراب الوطني بما في ذلك المياه الإقليمية ، يعد إعتداء على الحريات الفردية والمجرم بمقتضى المادة 107 قانون عقوبات والتي جاء فيها : {يعاقب الموظف بالسجن المؤقت من خمس إلى عشر سنوات ، إذا أمر بعمل تحكمي أو ماس سواءا بالحرية الشخصية للفرد ، أو بالحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر }. 

كيف يمكن وصف فعل مغادرتهم لأرض الوطن ؟ 

     بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948 والذي أقرت مبادئه الجزائر من خلال المادة 11 من دستور 1963 والتي جاء فيها {تمنح الجمهورية الجزائرية موافقتها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان }.   

     بالمادة 13 من الإعلان جاء ما يلي { لكل فرد حق في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده ، وفي العودة إلى بلده} كما جاء في المادة 14 أنه : { لكل فرد حق إلتماس ملجأ في بلدان أخرى ، والتمتع به خلاصا من الاضطهاد} ، بتاريخ 16 ديسمبر 1966 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بالعهد الدولي المتعلق بالحقوق السياسية والمدنية ، هذا الأخير الذي صادقت عليه الجزائر ، ونشر بمقتضى المرسوم الرئاسي:89/67 الجريدة الرسمية 20 ، وقد أصبح أسمى من القانون الداخلي حسب المادة 132 من التعديل الدستوري 1996 { المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسموا على القانون}. المادة 12 من العهد جاءت تكريسا لما ورد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومؤكدة في نفس الوقت حرية التنقل إذ قضت على أن:{ لكل فرد حرية مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده}      

إذا تساءلنا: ما السبب الذي يدفع بالشباب الجزائري لمغادرة أرض الوطن ؟ 

القاسم المشترك بينهم هو الظروف الاجتماعية القاهرة من بطالة ، فقر، السكن و الحقرة …الخ ، عادة هاته هي دوافع الهجرة . 

فهل هاته  الدوافع تعد سببا كافيا لتبرير هجرتهم سرا ؟ . 

الأمم المتحدة ، وفي الكثير من المناسبات عرفت الاضطهاد بأنه: {انتهاك أي من حقوق الأفراد أو الجماعات أو الأقليات الواردة في مواثيقها أو إعلاناتها أو اتفاقياتها وقراراتها}. 

فإذا تطرقنا للمعاهدات والإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة ، تؤكد وتلح على الحقوق الأساسية للأفراد المنتمين للدول المصادقة على إتفاقياتها ومن أولوياتها: 

الحق في العمل:إذ جاء بالمادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان { لكل شخص حق العمل ، وفي حرية اختيار عمله، وفي حماية من البطالة} . كما جاء بالعهد الدولي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية الذي وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/12/1966 والمصادق عليه من طرف الجزائر والمنشور بمقتضى المرسوم الرئاسي 89/67 الجريدة الرسمية رقم 20 ، بالمادة 06 منه نصت {تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل ، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق } كما جاء بالفقرة 02 {ضمان عيش كريم للعمال ولأسرهم طبقا لأحكام هذا العهد} المادة 55 من الدستور الجزائري أكدت هي الأخرى على هذا الحق. 

الحق في السكن : نصت عليه المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، كذالك المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الإجتماعية والثقافية . 

الحق في ضمان مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاهية:منصوص عليه في المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كذالك المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والثقافية.والتي تؤكد في الفقرة 02 { لكل إنسان حق أساسي في التحرر من الجوع }

    فإذا تطرقنا للوضع الإجتماعي في الجزائر ، يمكن وصفه بالمتدهور ، فإذا كان الوضع المعيشي للموظفين متردي فما بالك بالبطال ، وما بالك بأصحاب الدخل الضعيف من عمال الشبكة الإجتماعية وذوي العاهات والاحتياجات الخاصة . 

   فمعظم اللذين يحاولون الهجرة خارج الجزائر سواءا علنا أم سرا، يعانون من انتهاك حقوقهم الواردة في المواثيق والإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة . 

     وخلاصة لما سبق ، وبكل موضوعية ، يعتبر المهاجرين سرا مضطهدين ، ومن حقهم إلتماس ملاذ آمن لبلد يوفر مستوى كاف من الصحة والرفاهية له، ولأسرته، خاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والخدمات الاجتماعية الضرورية ، حسب ما ورد بالمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف الجزائر . 

    وبذلك ينطبق وصف لاجئ على كل شخص متجها إلى دولة ما ولتكن أوروبية مثلا، هربا من الاضطهاد. 

Publié dans : ||le 18 décembre, 2008 |2 Commentaires »

2 Commentaires Commenter.

  1. le 18 décembre, 2008 à 19:30 azad écrit:

    ان الله اأوصانا حين يقل الرزق في مكان معين أن نهاجراطلبا للرزف فكبف لدولية لم تقدم أدنى أسباب متطلبات العيش الكريم وتطالب بـقاء الشباب على تلك الخال هذا ضيىء لا يقبله لا العقل ولا المنطق، كيف يعيش هذا الشاب وهو في زعرة العمر يقضي جل أيامه في المقاهي والإنحراف إن كان هذا هو الحل فلماذا يعاقبون على تعاطي المخدرات والأعمال الإجرامية التي يرتكبها الشباب لأنها أصبحت ضاهرة حتمية عليه وسببها الأول والأخير البطالة وقال رسول الله صل الله عليه وسلم { نعمتان مغبون قيهما كثير من الناس الصحة ووقت الفراغ }وشبابنا وقته كله فراغ إذن من نجرم طالب الرزق أم مانع الرزق والسؤال يبقى مطروح ، والإجابة يعرقها ويدركها جيدا من يضيفون الماء المعدني للبحر

  2. le 18 décembre, 2008 à 19:48 zahir écrit:

    من خلال السؤال المطروح والاجابة عن هده الاشكالية لا نجد الا اجابة واحدة وهو انه وفي جل اقطار العالم نجد الشعوب نقمون على حكامهم اما عندنا فالحكام هم النقمون على الشعب ودلك من جراء سد جميع طرق وسبل الرزق امامهم بل اصبحو يحسدونهم حتى على المغامرة باروحهم سعيا وطلبا لرزق يخقظ كرامة . الجائع

Laisser un commentaire

La marche européenne des pa... |
Me Olicier PIERICHE |
Hélioparc, une bien sale hi... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Site officiel de l'Hôtel de...
| lianejuridique
| revolutionblogger